clear and obvious errors أو لماذا ينبغي علينا النظر ببعض التوجس للاهتمام بالدقة
(كتبت هذه التدوينة قبل سنة، كتدوينة على مدونة أخرى لم تعد موجودة)
"وشرائط الصلاة قبل الدخول فيها خمسة أشياء:
طهارة الأعضاء من الحدث والنجس
وسترة العورة بلباس طاهر
والوقوف على مكان طاهر
والعلم بدخول الوقت
واستقبال القبلة"
-- متن الغاية والتقريب، القاضي أبو شجاع (٤٣٣-٥٩٣ هـ)
***
تقريبا مفيش كتاب من كتب الفقه الشافعي حظى بالانتشار اللي حظى به مختصر أبو شجاع.
من ناحية التدريس: الكتاب أصبح على مدار قرون طويلة أحد المتون الأساسية المعتمدة للتدريس في أغلب مدارس الفقه الشافعي حول العالم، من اليمن في القرن السادس وحتى الأزهر في القرن العشرين.
ومن ناحية الاعتناء العلمي الكتاب عليه شروح وحواشي لا تكاد تنحصر، من اشهرها شروح ابن سيد الناس، وابن دقيق العيد، وأبي زرعة، وابن قاسم الغزي، والخطيب الشربيني، وحواشي الأجهوري، والشبراملسي، والإمبامي، والبجيرمي، والشرقاوي، والباجوري، دة غير المشايخ اللي نظموه.
ومن الحاجات الملفتة إن الكتاب يحوز المكانة دي رغم إنه - يقينا - مش أكتر الكتب دقة. يعني في مواطن كثيرة تلاقي الشيخ أبو شجاع بيقول - على سبيل المثال - "ويصح كذا بخمس شرائط" ويكتب أربع حاجات أو ستة مش خمسة، وأوقات يقول "ولكذا أربعة أركان" ويكتب أربعة فعلا، بس تلاقي الشروح (كلها تقريبا) بتقول "بل خمسة."
الكلام دة معناه إن الكتاب فيه حاجة غير دقة العبارة هي اللي بها حاز المكانة دي. والحاجة دي في الأغلب هي "كثرة التقسيمات وحصر الخصال" (ودة وصف منتشر للمختصر في مقدمات المحققين والشراح). التقسيم دة في الأغلب الشراح شافوا فيه "بنية تحتية" تسمح لهم بالتفريع على مسائل المتن المختصر بما يتناسب مع واقعهم، ودة بالنسبة لهم كان أهم من دقة المتن، لأن الشرح بالتعريف بيعطي الشارح مساحة للاشتباك مع نصوص المؤلف والإشارة لخطئها حيث رأى ذلك، وبالتالي عدم الدقة مش مشكلة كبيرة مقارنة بالمزية التي سمحت للكتاب بالبقاء والانتشار.
***
من حوالي ١٥ سنة كنت في درس فقه الشيخ الله يرحمه كان بيقرأ فيه من شرح ابن قاسم على مختصر أبو شجاع. كنا في فصل سجود السهو.الشيخ كان بيشرح مسألة حد تحريم العود وحد سجود السهو. أبو شجاع بيقول: "والسنة لا يعود إليها بعد التلبس بالفرض"، وابن قاسم بيقول في الشرح "فمن ترك التشهد الأول مثلا فذكره بعد اعتداله مستويا لا يعود إليه، فإن عاد إليه عالما تحريمه بطلت صلاته."
باختصار كدة: المسألة هي إن التشهد الأول دة مش من أركان الصلاة (الصلاة مكوناتها في اصطلاح الفقهاء أركان وسنن وهيئات، التشهد الأول من السنن)، وبالتالي لو فات، والواحد قام من سجود الركعة التانية وقف، مينفعش يرجع له. فهو السؤال: امتى نقول ان الشخص وقف وترك التشهد الأول بحيث إنه ميرجعلوش؟
الشيخ كان بيشرح وفي إيده حاشية الباجوري على شرح ابن قاسم بيقرأ منها. عبارة الشيخ الباجوري كانت دقيقة جدا ومليانة زوايا وحسابات. الشيخ لما خلص شرح قفل الكتاب وضحك وقال للطلبة: طبعا الشيخ الباجوري مش عايز حد يصلي ببرجل ومنقلة، فهو الموضوع إن لو إنت أقرب للقيام يبقى خلاص مترجعش. الشيخ بيشتغل في منظومة علمية لازم يضبطها. بس في الممارسة الانشغال بالدقة دي مش مطلوب.
***
الانشغال بالدقة في الحالة دي مش مطلوب لإن في الحقيقة الوصول لأعلى درجات الدقة في الممارسة مش ممكن تحصيله. لكن في أوقات تانية بتكون الدقة مش مطلوبة وإن أمكن تحصيلها. من شروط صحة الصلاة المذكورة في الفقرة الأولى ستر العورة بلباس طاهر. طيب لو في نجاسة وقعت على اللبس؟ يبقى المطلوب إزالتها. نص عبارة أبو شجاع "ولا يعفى عن شيء من النجاسات إلا اليسير من الدم والقيح." يعني غير دول لازم يزال ـ من على البدن أو الملبس أو الأرض اللي هتصلي عليها ـ علشان صحة الصلاة.
الإزالة دي بتحصل إزاي؟ بغض النظر عن التفاصيل فالمعيار في وجود بقايا النجاسة وعدمها هو العلامات الظاهرة: اللون والطعم والرائحة الظاهرين. في أوقات - عند المشقة غالبا - الشراح قالوا إن بقاء لون أو رائحة بعد إزالة عين النجاسة لا يضر. لكن في المجمل، وبغض النظر عن المشقة، مش مطلوب أكثر من أزالة الظاهر. يعني لو حد أثبت لي "علميا" من خلال الميكروسكوب مثلا، يعني بشكل أكثر دقة، إن البنطلون اللي صليت أو ناوي أصلي به، أو السجادة أو الأرض اللي هصلي عليها، عليها بقايا نجاسة بس النجاسة دي مش ظاهرة من غير المكيروسكوب يبقى هقوم أصلي بالبنطلون دة أو على السجادة أو الأرض دي عادي.
***
الدقة المتاحة في الزمن دة لم تكن متاحة من قبل. دقة في المواعيد زي مواعيد الصلاة اللي معروفة سلفا ولسنوات قادمة لا تنحصر بالدقيقة، وزي دقة الوصول سواء لرحلات الطائرات أو ـ بفضل خرائط جوجل ـ مشاوير السيارات. وسهولة الوصول للدرجة دي من الدقة نتيجته المباشرة هو إننا - كمجتمعات - بنحاول نوصل لها فعلا، وبنخلي الالتزام بيها هو المعيار.
مع إن دة شيء مزعج جدا وآثاره ممتدة لتغيير فلسفة الحاجات اللي كنا بنعملها من غير دقة قبل ما نحاول نرفع مستوى الدقة
يعني مثلا لحد قبل كأس العام اللي فات كان حكام الكورة بياخدوا قراراتهم في لحظة من غير وجود فرصة للتفكير أو التراجع. الشاشات في الاستادات كانت بتمنع عرض الإعادات عشان لو في خطأ واضح دة ميشكلش ضغط على الحكم. ثم ظهر الVAR
السبب الأساسي لظهور الفار كان لمنع الأخطاء الكبيرة. حاجات من نوع جول مارادونا مثلا. وكان الmandate واضح (في الدوري الإنجليزي على الأقل): تصحيح الأخطاء الواضحة والظاهرة (clear and obvious errors) وبغض النظر عن الجدل حول "إفساد متعة اللعبة اللي جزء منها أخطاء الحكام"، فمنع الأخطاء دي كان له أولوية عن الأطراف الأساسية في اللعبة، والفار الحقيقة عمل suspense من نوع مختلف، خصوصا مثلا في ماتشات توتنهام ومانشستر سيتي في ٢٠١٩.
ثم جاءت لعنة التسللات والانتظار ٣-٤ دقايق نتفرج عليهم وهما بيرسموا خطوط زرقاء وخضراء وحمراء وصفراء في محاولة لتحديد مين سابق مين بنص سنتي.
كل المجالات الأخرى لعمل الفار، زي المراجعة على ضربات الجزاء أو السلوك غير الرياضي الموجب للطرد الفار بيدي فيها الحكم فرصة تانية يشوف اللعبة (هو أو حكم آخر) ربما من زاوية أخرى وربما بالتصوير البطيء عشان يقيم خشونة الالتحام بين ٢ لاعبين، أو يحدد أيهما وصل للكرة أولا، أو حاجات شبه كدة. في أغلب الأحيان القرارات دي بتفضل محل جدل بعد قرار الحكم حتى بمساعدة الفار، لأنه في الآخر قرار الحكم، يعني تقديري وبشري.
لكن في التسلل هو بيعمل حاجة إضافية. القرارات هنا فعلا أبيض وأسود ومش تقديرية. الحكم بيستعين بنوع مختلف من التكنولوجيا بيقرر بالنيابة عنه، وقراره صحيح ١٠٠٪ (أو ممكن يوصل ل١٠٠٪ أول ما تنتج تكنولوجيا تستطيع أن تحدد بدقة لحظة مغادرة الكرة لقدم اللاعب المرر للمشكوك في تسلله، وتعمل هندسة مساحة للملعب)، لكن مع كون قرارات الفار صحيحة ١٠٠٪ - بما يعني أن أخطاء الحكام واضحة، إلا أن هذه الأخطاء ليست ظاهرة.
الفار بقاله في الدوري الانجليزي أقل من سنة، وفي دوري الأبطال أقل من سنتين، ومن ديسمبر في كلام مكثف على إعادة النظر في مجال عمله خصوصا في مجال التسلل، وتحديدا في إطار القاعدة بتاعت الأخطاء الواضحة والظاهرة. في ناس بتقول إنه طالما في إمكانية للوصول للدقة فينبغي استغلالها، وناس تانية ـ أعقل في رأيي -
بتقول إن دة ضد روح القانون السابقة على التكنولوجيا دي، ومنها مثلا في التسلل اعتبار الشك في صالح المهاجم ودة شيء من شأنه زيادة الأجوال. وبالتالي التكنولويا وإمكانية الدقة الأعلى اللي بتوفرها هي في الحقيقة بتغير من روح وطبيعة اللعبة مش بتضبطها على أصول سابقة. ودة شيء مزجع جدا ليا كمشاهد. يعني أنا عندي فعلا ييجي في فرقتي جول من كورة المهاجم فيها استفاد من شك ولا يبقى التحكيم معادي للأهداف وباحث عن الأخطاء بالشكل دة.
***
شرط استقبال القبلة المنصوص عليه في مختصر أبو شجاع مختلف في تفاصيله شوية بين المذاهب. الحنفية بيقولوا المطلوب استقبال جهة القبلة. الشافعية بيقولوا المطلوب استقبال عين القبلة. يعني المطلوب من كل مسلم وهو واقف يصلي إنه يكون صدره متوجه للكعبة نفسها، مش مجرد لاتجاهها العام.
طبعا مشايخ الشافعية وهما بيشرحوا الكلام دة بيقولوا إن استقبال عين القبلة مطلوب "يقينا في القرب، ظنا في البعد." فالشخص اللي مش شايف الكعبة لإنه بعيد، سواء بعيد يعني خارج أسوار الحرم فمش شايف الكعبة أو بعيد يعني في نيو يورك، مطلوب منه إن يتحرى قدر استطاعته، بحيث إنه في الآخر وهو بيصلي يكون ظان إنه كدة مستقبل عين الكعبة.
إمكانيات التكنولوجيا المعاصرة تسمح بما هو أكثر من ذلك. تسمح - ربما ببعض التكلفة التي ربما لا يقدر عليها آحاد الناس لكن تتحملها المساجد، أو على الأقل الكبيرة منها - إننا نكون متيقنين من استقبال عين القبلة حتى في البعد. وممكن المساجد الكبيرة تستعين بالنوع دة من التكنولوجيا في ضبط جهة القبلة فيها. وممكن - تحصيلا للمزيد من الدقة - تعمل ميل خفيف، لا يلحظ بالعين المجردة - في صفوف المصلين، بحيث تتأكد إن كل واحد من المصلين دول مستقبل عين القبلة.
دة طبعا هيكون معناه المباشر إننا في حاجة لتصحيح اتجاه القبلة في كل المساجد الكبرى القديمة، زي في مصر جامع عمرو بن العاص، وابن طولون، والأزهر والحسين والسيد البدوي وغيرهم. ولو مدينا الخط على استقامته شوية هنلاقي نفسنا محتاجين نصحح اتجاه القبلة في المسجد الأقصى. في الآخر يعني الصفوف هناك - كما هي في أكثر المساجد - أطول من عرض الكعبة، وبالتالي بدون ميل خفيف غير ملحوظ بالعين المجردة فهيبقى كل صف فيه ناس مش مستقبلين عين القبلة. نمد الخط على استقامته أكثر ونقول إننا محتاجين نصحح اتجاه القبلة في المسجد النبوي الشريف، حيث صلى سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه، لأن برضه عرض الكعبة أقل من طول الصفوف في المسجد، دة لو افترضنا أصلا إن القبلة في هذه المساجد كلها مضبوطة على عين القبلة - أو يعني إن القبلة في المحراب مضبوطة عليها
هيكون المطلوب نصحح اتجاه القبلة في هذه المساجد - انقاذا للمسلمين من الصلاة في غير اتجاه القبلة،
أو هجر المذهب الشافعي،
أو نفهم إن المذهب الشافعي لم يطلب في الحقيقة النوع دة من الدقة، وإنه لما قال ظنا في البعد مكانش فقط لعدم إمكان تحصيل اليقين في البعد، ولكن لأن التحصيل دة مش مطلوب، سواء أمكن أو لا، زي ما تطهير الملبس والبدن والأرض من النجاسة بحيث لا يبقى لها أثر مش مطلوب.
المستوى دة من الدقة مش مطلوب.
***
بعد الإفطار يوم ٢٩ رمضان السنة اللي فاتت دار الإفتاء أعلنت إن اليوم التالي هو المتمم لشهر رمضان. مع إن الحسابات الفلكية كانت بتقول إنه هيكون أول يوم العيد. وحصل جدل متكرر حول "العلم والدين" والأخذ بالتقييم الفلكي مقابل رؤية الهلال وكيف نقدم الثانية مع أن الأولى أدق.
طريقة طرح السؤال الأخير - بصيغها المختلفة - كانت قايمة على افتراضات أساسية مشتركة في كل الصيغ. أهمها إن الميلاد الفلكي للهلال علامة دخول الشهر. بقول دي "افتراضات" لأنها أمور لم يدلل عليها. كأن الهلال بيولد مكتوب عليه شوال. أول خط دفاع عن مناقشة الفرضية دي كان إن أكيد مولد الهلال هو علامة دخول الشهر ومش الرؤية لأن المولد أدق.
بس الحقيقة - زي ما بيتضح المفروض مما سبق - الشرع بين بيعتمد بشكل دائم على الدقة. في أحيان كتير بيعتمد على العلامات الظاهرة. ورؤية الهلال ـ خلافا لمولده - علامة ظاهره، وكمان النص الشرعي في المسألة "صوموا لرؤيته" بيأيد إن العلامة اللي الشرع اعتبرها لبداية الشهر هي رؤية الهلال مش مجرد مولده.
***
الإمام النووي (٦٣١-٦٧٦ هـ) واحد من أهم علماء الشافعية، والمسلمين بشكل عام، في التاريخ. له إسهامات مهمة في كثير من العلوم. من أشهر كتبه (رياض الصالحين) و(الأذكار) و(الأربعين النووية) و(المنهاج) و(الروضة) - والكتابين الأخيرين دول في الفقه الشافعي. والنووي راجل متمكن من الدقة غاية التمكن كما يظهر في كتبه في المجالات المختلفة، وواصل في صنعة الحديث لأعلى الدرجات.
ومع ذلك كتاب الأربعين النووية بيعمل حاجتين. أولا بيقول في المقدمة إنه بيجمع أربعين حديث، وبعدين في الحقيقة الكتاب في إتنين وأربعين حديث مش أربعين بس (وكان ممكن بسهولة جدا يعني للشيخ إنه يرجع يصلح الجملة دي في المقدمة لو كان غير رأيه في النص وأضاف حديثين، لكنه معملش كدة)، والحاجة التانية إنه - في المقدمة برضه - قال إنه هيذكر الأحاديث من غير أسانيدها
النووي عمل كدة لأنه عدم الدقة في عدد الأحاديث مش هيأثر في مقصده من الكتاب، وبالتالي الالتفات له تضييع وقت. وذكر أسانيد الأحاديث والتدقيق فيها هو أيضا انشغال بغير مقصد الكتاب يؤدي للالتفات عنه.
***
أكيد عدم الانشغال بتحصيل مزيد من الدقة في بعض الأمور مش معناه عدم الانشغال بتحصيلها في كل الأمور. أكيد زيادة الدقة حسنة في بعض المجالات. في الأمور القائمة على مقادير دقيقة كالمركبات الطبية مثلا الدقة حسنة. المقصود فكرة بديهية وأبسط من كدة بكثير: توفر إمكانيات زيادة التدقيق لا تعني أن التدقيق أفضل من عدمه
****
"أنا عارف إن إنتم عايزين كل حاجة منتهى الدقة
منتهى التفصيل
أنا مش هقدر أقول على الدقة ولا على التفصيل يا بيه "
-- سرحان عبد البصير مخاطبا القاضي، شاهد مشافش حاجة


Comments
Post a Comment